وعظ المُعْرِضِيْن

قال شمس الزمان الإمام طارق بن محمد السعدي (قُدِّسَ سِرُّه):"

يا بُنَي! إن الناس الذين تفرح بتصفيقهم لك على فتنتك، هؤلاء الناس غدًا سوف يشهدون عليك!

يا بُنَي! الناس الذين يصفقون لك الآن على أحوالك الدنيوية أو إعراضك عن السبيل السويَّة واغتررت بهم فتركت طريق الآخرة، وتركت طريق المجد والرتب والمنازل الفاخرة: هؤلاء سوف يشهدون عليك يوم القيامة حتى يزجوك في جهنم.

يا بُنَي! يوم القيامة لا ينفع حميم حميماً؛ يبصرونهم، { يُبَصَّرُونَهُمْ، يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ (13) وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ } (14) المعارج ... كلا! يُقال له: { كَلَّا } الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [غافر:17]، كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر:38]، فَالْيَوْمَ _ أيها المجرمون _ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، مَأْوَاكُمُ النَّارُ؛ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الحديد:15] { إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى (16) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى } (17) المعارج!

استمر _أيها المُعْرِضُ_ بإعطاء ظهرك للتكليف والحق، وامشِ كما شئت بين الخلق، أين ستذهب؟!

هذا الكون ليس بعده أكوان ... والموت مصيبة لا مفَرَّ منها لإنسان ... وهي أول منازل الرُّجُوع لِمن؟ الرجوع لله الملك الحق الدَّيَّان.

فاعملوا ما شئتم، مؤمنين أو كافرين ... اعملوا ما شئتم مؤمنين أو كافرين؛ فالمَرَد إلى الله رب العالمين، في يوم القيامة: يوم الحشر والدين، { ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ} لا مجموعة نفوس، يلقي الواحد منهم حمله على غيره، لا، بل { كُلُّ نَفْسٍ } نفس تُوَفَّى { مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }[البقرة:281]، وإن الحساب ليقع على مثقال الحبة من الخردل؛ { يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ؛ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان:16]، { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ }[الزلزلة:7-8].

وإذا رأى المُعرِضُون مآلهم انعكست أحوالُهم، فيحل الإيقان بعد الافتتان، والتعاسة المتنامية بعد السعادة النَّفْسِية بزينة الدنيا الفانية، والبكاء المُشَدَّد بعد الضحك المُحَدَّد ... لذلك قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! ابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا؛ فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَبْكُونَ فِي النَّارِ حَتَّى تَسِيلَ دُمُوعُهُمْ فِي خُدُودِهِمْ كَأَنَّهَا جَدَاوِلُ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ فَيَسِيلُ الدَّمَ، فَتَقْرَحُ الْعُيُونُ، فَلَوْ أَنَّ سُفُنًا أُرْخِيَتْ فِيهَا لَجَرَتْ ».

{ وَبَرَزُواْ للهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ مِن شَيْءٍ؟ قَالُواْ: لَوْ هَدَانَا اللهُ لَهَدَيْنَاكُمْ، سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ }[إبراهيم:21].

ويقول المفتونون: { رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا }[الأحزاب:67]، ويرد عليهم هؤلاء بالبراءة: { إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ }[البقرة:166]، يقولون: نحن لسنا مسئولين؛ نحن ما مسكنا أُذن فلان وقلنا له لا تتعلم دينك ولا تحب ربك ولا تعبد ربك ولا تتبع سبيل المؤمنين ... نحن قلنا له "عِشْ حياتك" أو "هذا باطل" أو "سخرنا وضحكنا منه" .. فاستجاب لنا ومشى معنا! { فَالْيَوْمَ } يوم القيامة: { الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ }[المطففين:34].

الحقيقة يا بني: أن كل المعطيات الدنيوية الفاتنة للمكلفين قد أوجدها الله عز وجل ليمحِّص المؤمنين! فتَجِد مَن يغويك، وتَجِد في نفسك أحاديث تفْجِرك وتُلهيك، والشيطان يوسوس بين ذلك ويزينه لك بمتاع أو تخاريص عِليمة، وأنت تظن تجاوبك معه "استمتاع" أو "فهم وعقلانية"!

يا بُنَي! لو قال لك شخص: "أنه يريد أن يخدعك، بأن يوحي إليك حتى تنكر الحق أو تغتر بالمنكَرات الدنيوية، ويجعلك تتهاون بالذِّكْر ويوهمك بتحمل المسؤولية ... وفي النهاية: سوف يتبرأ منك، فلا يتحمل شيئا من المسؤولية عنك "! فهل تستمع له؟ هل تطيعه؟

لو أن شخصا صارحك بذلك، قال لك: أنه سيخدعك، فيغويك بالمخالفة وعدم اتباع الأحكام الثابتة والأمور الصحيحة، ثم عند محاسبتك على أعمالك سوف يتبرأ منك فتتحمل أنت كامل المسؤولية! هل تستجيب له؟

الجواب البديهي: لا

والحقيقة: أن ذلك هو الواقع؛ فإن ربنا عز وجل قد أخبرك خبرَ الشيطان وعلاقته القائمة على العداء والفتنة بالإنسان! فبين لك أن الشيطان يخدعك بالوسوسة والتخييل ليضلك عن السبيل ...

فالمفتونون قوم قد { قَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }[الأنعام:43]، زين لهم الشيطان أيش؟ { زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ }[النمل:24]. هذا شغل الشيطان مع الإنسان.

وقال لك { زَيَّنَ }، { زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ }، انتبه! يعني: الشيطان لم يعمل عنك، بل أنت عملت العمل وهو فقط أوحى لك به (فربما وسوس لك لتعمل، وإذا عمِلت خَيَّل لك إيحاءات المتعة)! مثل السكران؛ ربما يكون واقعا في حفرة مجاري ويسبح فيها وهو يظن نفسه يسبح في بيسين (بركة ماء) مع الفتيات وسائر وسائل المتعة ..

المقصود [بالمَثَل]: أن ذلك هو حالك أنت [أيها المعرض المفتون] في ظل زينة الشيطان؛ تظن نفسك سلطان بينما أنت دمية مفتون بزينة الشيطان.

نسأل الله تعالى العافية. "انتهى [مخطوط / صيد المجالس]